عثمان بن جني ( ابن جني )

152

الخصائص

وهذا لا نكير له في وجوبه لسكون عينه نعم وقد دعاهم إيثارهم لتشبيه الأشياء بعضها ببعض أن حملوا الأصل على الفرع ؛ ألا تراهم يعلّون المصدر لإعلال فعله ، ويصحّحونه لصحّته . وذلك نحو قولك : قمت قياما ، وقاومت قواما . فإذا حملوا الأصل الذي هو المصدر على الفرع الذي هو الفعل ، فهل بقي في وضوح الدلالة على إيثارهم تشبيه الأشياء المتقاربة بعضها ببعض شبهة ! وعلى ذلك أيضا عوّضوا في المصدر ما حذفوه في الفعل ؛ فقالوا : أكرم يكرم ، فلمّا حذفوا الهمزة في المضارع أثبتوها في المصدر ، فقالوا : الإكرام ؛ فدلّ هذا على أن هذه المثل كلّها جارية مجرى المثال الواحد ؛ ألا تراهم لمّا حذفوا ياء فرازين " 1 " ، عوّضوا منها الهاء في نفس المثال فقالوا فرازنة . وكذلك لمّا حذفوا فاء عدة ، عوّضوا منها نفسها التاء وكذلك أينق " 2 " في أحد قولي سيبويه فيها : لمّا حذفوا عينها عوّضوا منها الياء في نفس المثال . فدلّ هذا وغيره ممّا يطول تعداده على أن المثال والمصدر واسم الفاعل كلّ واحد منها يجرى عندهم ، وفي محصول اعتدادهم مجرى الصورة الواحدة ؛ حتى إنه إذا لزم في بعضها شيء لعلّة ما أوجبوه في الآخر ، وإن عرى في الظاهر من تلك العلّة ، فأمّا في الحقيقة فكأنها فيه نفسه ؛ ألا ترى أنه إذا صحّ أنّ جميع هذه الأشياء على اختلاف أحوالها تجرى عندهم مجرى المثال الواحد ، فإذا وجب في شيء منها حكم فإنه لذلك كأنه أمر لا يخصّه من بقيّة الباب ، بل هو جار في

--> - العروس ( رتع ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 424 ، والمخصص 8 / 36 ، والمنصف 1 / 349 . ويروى تراعى بدلا من : يراعى . وصدر البيت : * فظل يأكل منها وهي راتعة * ( 1 ) فرزان : من لعب الشّطرنج ، أعجمىّ معرّب ، وجمعه فرازين . اللسان ( فرزن ) . ( 2 ) أينق : الياء في أينق عوض من الواو أونق فيمن جعلها أيفلا ؛ ومن جعلها أعفلا فقدم العين مغيّرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو ، فالبدل أعم تصرفا من العوض ، إذ كل عوض بدل وليس كل بدل عوضا . وذهب سيبويه في قولهم أينق مذهبين : أحدهما أن تكون عين أينق قلبت إلى قبل الفاء فصارت في التقدير أونق ثم أبدلت الواو ياء لأنها كما أعلت بالقلب كذلك أعلت أيضا بالإبدال ، والآخر أن تكون العين حذفت ثم عوّضت الياء منها قبل الفاء . اللسان ( نوق ) .